هناك بعض الكتب يعاودنى الحنين إلى قراءتها، فالكتاب مثل الصديق الذى تأنس به ومعه، نعم لقد قال الشاعر " وخير جليس فى الزمان كتاب " ، وفى المقابل، وفى الوقت نفسه هناك تيار شعورى من الكتاب لكى يجلس إليك، ويأنس بك أيضا، لأنه يوجد رسالة فى الكتاب ويريد أن يبلغها لك، حكاية عجيبة ! إلى هذا الحد ! وإلى هذه الدرجة يكون التواصل بين الإنسان والأشياء، نعم، إلى هذه الدرجة لقد قال المستشرق الإنجليزى مارتن لينجز، " فى اللحظة التى تبحث فيها عن كتاب، على الطرف الأخر، يكون الكتاب باحثا عنك، لأنه يوجد رسالة لك فى الكتاب، وهو يريد أن يخبرك بها " .
إن كتاب " فجر الضمير The Dawn of Conscienceٍ " الذى وضعه جيمس هنرى بريستد عام 1934 ترجمة د.سليم حسن هو مؤلف يدلل على أن مصر هى أصل حضارة العالم ومهدها الأول؛ بل فى مصر شعر الإنسان لأول مرة بنداء الضمير، فنشأ الضمير الإنسانى بمصر وترعرع، وبه تكونت الأخلاق، وقد أخذ " بريستد " يعالج تطور هذا الموضوع منذ أقدم العهود الإنسانية، إلى أن انطفأ قبس الحضارة فى مصر حوالى عام 525 قبل الميلاد. هذا الكتاب أرسل إلى مجموعة من الرسائل وأود أيها القارىء العزيز أن أنقلها لك. الرسالة الأولى: مصر حسب الوثائق التاريخية عن العالم القديم هى مهد حضارة العالم، وعن هذه الحضارة أخذ العبرانيون، ونقل الأوربيون عن العبرانيين حضارتهم، وبذلك يكون " برستد " قد هدم بكتابه النظريات الراسخة فى أذهان الكثيرين القائلة بأن الحضارة الأوربية أخذت عن العبرانيين فقط، وهذا الرأى مازال يعتنقه بعض من لم يقرأ كتاب " بريستد "، أو من قرأه ويحاول ويعمل على تجاهله عامدا متعمدا، ولكن هذا الكتاب أظهر للعالم أجمع بأن المصدر الأصلى لكل حضارات الإنسانية، هى مصرنا العزيزة. وأن السيادة المطلقة فى تكوين ثقافة العالم وفى وضع أسس الأخلاق وانبثاق فجر الضمير الذى شع على جميع العالم هى مصر. الرسالة الثانية: مما يدل على قوة أهمية رأى " برستد " هو أنه فى بادىء حياته قد درس تاريخ الشرق القديم عامة، وبعد فترة درس تاريخ مصر وحضارتها، وقد انتهى به البحث بعد بعد دراسة حضارات الأمم الشرقية القديمة كلها؛ إلى أن مصر أصل مدنيات العالم، ومنبت نشوء الضمير، والبيئة الأولى التى نمت فيها الأخلاق. الرسالة الثالثة: إن " برستد " بكتابه " فجر الضمير " قضى على الخرافات التى كانت شائعة بين السواد الأعظم من علماء التاريخ القديم والحديث قضاء مبرما، ففريق منهم ظن أن الصين والهند ثم بلاد اليونان كانت مهد الحضارة العالمية وعنها اخذ العالم الحديث، والواقع أن مصر كما ذكر " برستد " هى التى أخذ عنها العالم حضارته عن طريق فلسطين حيث كانت نقطة الاتصال بين الحضارة الأوربية والحضارة المصرية. الرسالة الرابعة: إن كتاب " برستد " قسم التاريخ الإنسانى لعصرين بارزين: الأول عصر كفاح الإنسان مع المادة والقوى الطبيعية والتغلب عليها، والعصر الثانى هو عصر الكفاح بينه وبين نفسه الباطنة، وذلك حينما اخذ ضميره يبزغ وأخلاقه تتكون، والعصر الأول يقدره " برستد " بنحو مليون سنه، أما عصر بزوغ الضمير فقد بدأ بدوره حينما عرف الإنسان يدون أفكاره بالكتابة، ويقدر عمره بنحو 5000 سنة تقريبا، كما يستشعر " برستد " أن الإنسان عليه أن يتخلى عن المشاحنات والمنازعات والحروب التى تدمر كل شىء، وعلى الإنسان أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة والمثل العليا ويقلع عن المادية فى التعاملات والسلوكيات لكى يصل الإنسان إلى فجر الضمير الذى يصنع الحضارة الحديثة كما صنعها قديما فى مصر. الرسالة الخامسة: تضم هذه الرسالة باقة من المنارات الفكرية للبرديات التى تكشف أعماق الضمير الإنسانى الجميل للمصرى الذى أنجز حضارته وهذه المنارات على سبيل المثال لا الحصر: " إن الحق جميل وقيمته خالدة، ولم يتزحزح من مكانه منذ خلق لأن العقاب يحل بمن يعبث بقوانينه، وقد تذهب المصائب بالثروة ولكن الحق لا يذهب بل يمكث ويبقى." " الحياة فيها الكثير مما يجعلنا نحبها، ويجب أن نحظى فيها بقسط وافر من الإستمتاع البرىء. " الإنسان عندما يقوم بأى مهمة يجب أن يتعلق بأهداب الصدق ولا يتخطاه." " حصّل الأخلاق ...واعمل على نشر العدالة وبذلك تحيا ذريتك " " إن الرجل الحكيم تنعم روحه باستمرار بقاء فضله على الأرض، والرجل العاقل يعرف بعمله، وقلبه ميزان لسانه، وشفتاه تصيبان القول عندما يتكلم، وعيناه تبصران عندما ينظر، وأذناه تسمعان ما يفيد ...ويبرأ من الكذب" " كن ممن يحسنون صناعة الكلام لتكون قوى البأس لأن قوة الإنسان هى اللسان، والكلام أعظم بأسا من كل الحروب " " إن الحق يأتى إليه مختمرا حسبما كان عليه الأجداد، فعليك إذن أن تقتدى بأبائك وأسلافك...تأمل، لأن كلماتهم مدونة فى المخطوطات فافتحها لتقرأها واقتد بمعرفتهم، وبتلك الكيفية يصير صاحب الصناعة على علم بها". الرسالة السادسة: إن " برستد " قال فى مقدمة كتابه : " إنه يجب على نشء الجيل الحاضر أن يقرءوا هذا الكتاب الذى يبحث فى تاريخ نشأة الأخلاق بعد بزوغ الضمير فى العالم المصرى ". لذلك من الضرورى أن يقرأ شباب مصر هذا الكتاب حتى يدرك ويستوعب ما احتواه لأنه تاريخ نشأة الأخلاق فى بلادهم التى أخذ عنها العالم. الرسالة السابعة: تقول " إن البلاد العريقة فى المجد كالشجرة المباركة الطيبة، تأتى أكلها كل حين، وتنبت بين آونة وأخرى أفذاذا تجرى فى دمائهم قوة العزة القومية والمجد التليد، فيشعرون بعظمة بلادهم، وما كان لها من تاريخ مجيد، فتنطلق ألسنتهم معبرة عن ذلك بالإلهام المحض". مهما كانت المواقف تجاه الحضارات العريقة، التاريخ يخبر أن المواقف تمر، والحضارات تبقى، نعم تبقى بالخبرة الإنسانية المضيئة التى تشرق وتسرى فى منظومة علمية من الجد والعمل ورؤية مستقبلية لتطوير الواقع إلى الأفضل ومصر أهلا لذلك لأن مصر فجر الضمير الإنسانى.
|