إذا كانت هوية المجتمع هى بلورة السمات الفكرية والخصائص الثقافية والروحية التى يتفرد بها المجتمع عن غيره من المجتمعات الأخرى، فإن الركيزة الأساسية فى بنيان هوية ذلك المجتمع تتمثل فى اللغة، لأن اللغة هى التاريخ، والتراث، وهى المعبرة عن الأحلام والطموحات المستقبلية، إنها الضمير الكلى للمجتمع ومن ثم فهى تقوم بالدور الكبير فى الدفاع عن هويتة. لأن اللغة العربية تواجه تحديات مثل الخطر المتمثل فى اللهجات العامية التى طغت على الفصحى، افتقار اللغة لمفردات العصر ومصطلحاته، اللغات الأجنبية التى تنافس العربية فى المجالات الثقافية والعلمية. إن الأخطار التى تتعرض لها اللغة الأم هى فى الوقت نفسه تتعرض لها الشعوب العربية بفقدان خصوصياتها القومية وقدرتها على الدفاع عن استقلالها الفكرى والحضارى.
من هذا المنطلق جاء فى اعلان الرياض الذى أصدره القادة العرب فى اجتماع القمة فى الدورة التاسعة عشر ـ مارس 2007 ـ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، التأكيد على العمل الجاد لتحصين الهوية العربية، ودعم مقوماتها ومرتكزاتها، ترسيخ الانتماء إليها فى قلوب وعقول: الأطفال ، والناشئة، والشباب، باعتبار أن العربية ليست مفهوما عرقيا عنصريا بل هى هوية ثقافية موحده، تلعب اللغة العربية دور المعبر عنها والحافظ لتراثها، واطار حضارى مشترك قائم على القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية يثريه التنوع والتعدد، والإنفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى، ومواكبة التطورات العلمية والتقنية المتسارعة دون الذوبان أو التفتت، أو فقدان التوازن، تطوير العمل العربى المشترك فى المجالات: التربوية والثقافية والعلمية، تفعيل المؤسسات القائمة ومنحها الهمية التى تستحقها والموارد المالية والبشرية التى تحتاجها خاصة فيما يتعلق بتطوير البحث العلمى ، والإنتاج المشترك للكتب البرامج والمواد المخصصة للأطفال والناشئة، وتدشين حركة ترجمة واسعة من اللغة العربية وإليها، تعزيز حضور اللغة العربية فى جميع الميادين بما فى ذلك وسائل الإتصال والاعلام والإنترنت وفى مجالات العلوم والتقنية. وتأتى أيضا توصيات مؤتمر مجمع اللغة العربية ـ أبريل 2007 ـ فى دورته الثالثة والسبعين ، لكى تؤكد على ضرورة أن قضية اللغة هى قضية المجتمع، وعلينا أن نتكاتف ونتعاون جميعا لكى نحافظ على لغتنا الأم من خلال ما جاء في الإعلان الختامي لاحتفال المجمع بعيده الماسي ـ مارس 2007 ـ من ضرورة العمل على تفعيل قانون المجمع بإعادة عرضه على مجلسي الشعب والشورى والنصّ على أن تكون قراراته ملزمة، وأن تكون للمجمع المرجعية اللغوية في كل ما يتصل باللغة العربية، وبخاصة في زارات التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة والإعلام. وإلى أن يتم تفعيل قانون المجمع، فإن المؤتمر يطالب وزارة التعليم العالي – وهي الهيئة الحكومية المسئولة عن المجمع – بالعمل على نشر قرارات المجمع، وتوصيلها إلى الجهات الحكومية المعنية، ومطالبة هذه الجهات الالتزام بالعربية الصحيحة؛ وهو الأمر الذي تضمنه مرسوم إنشاء المجمع، عندما نص على أن تقوم وزارة المعارف العمومية – المشرفة على المجمع في ذلك الحين – بهذا الدور. أكد المؤتمر ترحيبه بالمبادرات والجهود التي يقوم بها المجتمع المدني ممثلا في جمعية تعريب العلوم وجمعيتي حماة اللغة العربية ولسان العرب في مصر، ومثيلاتها في الأقطار العربية، بهدف الحفاظ على اللغة العربية والتصدي للسلبيات التي تواجهها. كما أكد أيضا ترحيبه بما قامت به الجامعات المصرية وما قام به المجلس الأعلى للثقافة من مبادرات تمثلت في عدد من الملتقيات والندوات البحثية شارك في عدد منها الأساتذة رئيس المجمع ونائبه وأمينه العام وبعض أعضائه من المصريين والعرب، محورها جميعًا اللغة العربية وقضاياها المثارة في هذا العصر. طالب المؤتمر الدول العربية التي لم تعمل على إنشاء مجامع لغوية حتى الآن، بضرورة الإسراع في إنشاء هذه المجامع، خدمة للغة العربية، وحفاظًا عليها، ومواجهة لما يشيع فيها من طغيان للعاميات واللهجات. بحيث يجيء يوم قريب يصبح فيه هذا المؤتمر السنوي العام مؤتمرًا لممثلي هذه المجامع اللغوية العربية جميعها، لبحث قضايا اللغة العربية على مستوى الوطن العربي كله. ومن التوصيات المهمة للمؤتمر ضرورة التواصل بين المجامع اللغوية العربية، من خلال العديد من الآليات والأطر التي تكفل العمل المشترك، المُوحَّد والمُوحِّد، كما أكد ضرورة تفعيل اتحاد المجامع في هذا السياق. طالب المؤتمر كل المسئولين وصناع القرار إلى الالتزام بالعربية الصحيحة في أحاديثهم وكلماتهم وبياناتهم في الدوائر الدولية، وبخاصة بعد أن أصبحت العربية منذ سنوات اللغة السادسة المعترف بها في المحافل الدولية. كما أوصى المؤتمر بتحديث موقع المجمع على الشبكة الدولية للمعلومات وإمداده بالتراث المجمعي والإنتاج المتجدد ليكون وجهًا معلوماتيًّا لائقا بالمجمع. كما يوصي بدعم الجهود التي تبذل في مجال تطويع الحاسب الآلي للغة العربية وبحث المشكلات الناتجة عن استخدامها، بالإضافة إلى بالتوسع في عرض قراراته الخاصة بصياغة المصطلح العلمي، وتسويغ الألفاظ والأساليب المحدثة، بحيث تصبح متاحة للمجامع اللغوية العربية وللباحثين والمستخدمين في الأقطار العربية. أكد المؤتمر حرص المجمع على التعاون مع وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في مصر، في مجالات تعليم اللغة العربية والارتقاء بها ومواجهة ما يسود الواقع اللغوي- في أثناء عملية التعليم والتعلم – من سلبيات، من خلال لجانه المجمعية المختصة. يؤكد المؤتمر حرص المجمع على تقديم الخبرة والمشورة للهيئات والجامعات الأجنبية التي تعنى بتعليم اللغة العربية. يؤكد المؤتمر توصيته السابقة التي تطالب كلا من وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي بالإشراف الدقيق على تنفيذ البرامج الخاصة بتعليم العلوم الإنسانية واللغة العربية في المدارس والجامعات الأجنبية، والعمل على تطوير أساليب اللغة العربية في التعليم العام وإعادة النظر في مقررات اللغة العربية من حيث المادة والمدة. كما أوصي بضبط الكتب المدرسية المقررة في اللغة العربية ضبطًا كاملاً يساعد على النطق الصحيح المعين على الفهم، والعناية بتجويد الخط العربي، وتخصيص وقت له بين دروس اللغة العربية، كما كان متبعًا من قبل. يؤكد المؤتمر دعوته لكتابة أسماء الشوارع والمحال والمنشآت باللغة العربية أولاً، ولا مانع من كتابتها بالحروف اللاتينية أسفل الكتابة العربية، حرصًا على تحقيق الهوية وتيسيرًا للحركة السياحية العربية والدولية. وأن يصبح هذا الأمر التزامًا رسميًّا يعاقب القانون على مخالفته أو التخلي عنه. نعم إنها توصيات عريقة ونهيب بالمسئولين وصنّاع القرار والمجتمع المدنى كله أن يعملوا على تفعيلها واتخاذ الخطوات التي تكفل الالتزام بها، لأن العربية هى اللغة الأم.
|