إشراقة: العيد الماسى لمنارة العربية

يحتفل " مجمع اللغة العربية " بعيده الماسى (1932-2007) أى بمرور خمسة وسبعون عاما على إنشاءه بالقاهرة. إن رحلة المجمع هى رحلة عطاء وعمل جاد من أجل العربية، لغة الضاد، لقد كان إنشاء محمع اللغة العربية بمصر أملا يتطلع إليه أهل اللغة والأدب والعلم منذ زمن بعيد، ليعمل على تقدم اللغة العربية والنهوض بها، ودفعها نحو آفاق رحبة من التطور والتجدد. وتحقق ذلك عام 1932 بصدور مرسوم ملكى بإنشاء مجمع لغوى، وحدد المرسوم أهداف المجمع ببذل الجهود للحفاظ على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون ومستحدثات الحضارة المعاصرة والعمل على وضع معجم تاريخى لغوى، والعناية بدراسة اللهجات العربية الحديثة فى مصر وغيرها من البلاد العربية، وإصدار مجلة تنشر بحوثا لغوية، والعناية أيضا بتحقيق بعض نفائس التراث العربى التى يراها ضرورة لأعماله ودراساته اللغوية ولوضع المعاجم. لقد نص المرسوم على أن " يؤلف المجمع من عشرين عضوا عاملا من بين العلماء المعروفين بتعمقهم فى اللغة العربية، دون تقيد بالجنسية، فكان المجمع عالميا من أول يوم، حيث أنه ضم أعضاء مصريين وغير مصريين عربا ومستعربين، وفى عام 1982 تم صدور قانون يعيد تنظيم المجمع فنص على أن المجمع هيئة مستقلة ذات شخصية اعتبارية لها استقلال مالى وإدارى، وتتبع وزير التعليم العالى، وحدد فيه أن يتألف المجمع من أربعين عضوا، فى الأكثر، من المصريين، ويتألف مؤتمره من هؤلاء الأعضاء وعدد لا يجاوز العشرين من غير المصريين. ألفت لجا شتى عملت فى المجمع، وأخذت تنمو وتزداد مع اتساع آفاق العلوم والاداب والحضارة واللغة، وقد بلغت هذه اللجان ثلاثا وثلاثين لجنة نذكر منها: لجنة المعجم الكبير، لجنة اصول اللغة، لجنة الدب، لجنة التاريخ، لجنة ألفاظ الحضارة والفنون، لجنة الهندسة، لجنة الجيولوجيا....وغيرها من الموضوعات الهامة. يقول د.محمود حافظ رئيس المجمع فى كلمته التى ألقاها فى الإفتتاح بجامعة الدول العربية، وهو يستشعر ما يجب أن تصنعه المجامع العربية لكى تحافظ على هويتها وتتواكب مع العصر " قد حان الوقت لمجامعنا العربية أن تبدأ صحوة كبرى أمام التحديات التى يموج بها العالم اليوم، ولمجابهة ما يحاك ضد اللغة العربية من مؤامرات مدبرة من أعدائها والمتربصين بها للنيل منها، الأمر الذى يتطلب منا أن تقف وقفة صارمة لصد هذا العدوان قبل أن تصبح اللغة العربية ـ كما زعمت اليونسكوـ غريبة عنا."

كما أوصى د.محمود حافظ أنه على مجامع اللغة أن تعد برنامجا طموحا تستشرف آفاق المستقبل، وتبدا عهدا جديدا من التطوير والتجديد، وأن تتفاعل مع المجتمع فى قضايا اللغة المصيرية، وكذلك قضاياه الثقافية والإعلامة، وأن يكون للمجامع جهد فاعل وحى فى المجتمع وأن تضخ فى عروقه دما جديدا يزيد اللغة قوة ومنعة تدفع بها غائلة المعتدين عليها والمتربصين بها، ويعمل على الحفاظ على سلامتها بين المتحدثين بها.

من التحديات التى تواجه اللغة العربية هى كيف تكون اللغة مواكبة لمعارف العصر، وهنا أتذكر مقولة د.زكى نجيب محمود " على اللغة أن تكون وعائا للعصر " لأن كل شعب غير متفوق فى ميدان العلوم والتكنولوجيا يصبح عالة على غيره فى معطيات التقدم، وأيضا يكون مهددا فى هويته لأن لغته ليست هى التى تنقل المعارف والإبتكارات والمهارات المتجددة، وإنما لغات آخرى تقوم بهذا الدور ومن ثم يكون لها الصدارة والقوة فى التواجد سواء فى أوطانها أو فى البلدان الآخرى، ومن هنا يتأثر أبناء العربية باللغات الآخرى ويتناسون العربية، لأن أصحاب العربية لم يقدروا على منافسة غيرهم من الأمم فى الإبداع الفكرى والتقدم العلمى والتكنولوجى، وعلينا ألا نشكو من تأثر الأبناء بالثقافات الأجنبية، إنه من الضرورى معرفة اللغات الآخرى ولكن فى نفس الوقت علينا أن نتقن لغتنا ونتعرف عليها ونعمل على تطويرها من الجمود وحتى يكون لنا التفوق فى الإقتصاد والعلوم والمعارف ويكون للغة تواجدا إستراتيجيا قويا هذا إلى جوار اللغات الجنبية.

ولكى تكون العربية لغة منفتحة على التيارات العالمية من العلوم والفنون والتقدم الحضارى من الضرورى أن يتواجد رافدان: الأول الترجمة، حيث تلعب الترجمة دورا هاما فى نقل كل ما هو حديث فى ضروب العلم والمعرفة إلى أبناء العربية لكى نكون على اتصال بالعالم لأن الترجمة الشاملة المتواصلة لجميع ما يصدر من البحوث الأجنبية الهامة فى المجلات العلمية المتخصصة مما يكون لها قيمة علمية كبيرة بالإضافة إلى أمهات الكتب الأجنبية فى التخصصات الحديثة، ومن الضرورى أن تشارك فى ذلك المؤسسات العربية سواء على المستوى الحكومى أو على مستوى المجتمع المدنى لأن المجتمع المدنى أيضا له دور حيوى وأصيل فى نشر اللغة العربية بين فئات السعب المختلفة من خلال الجمعيات التى تعنى وتهتم بشئون اللغة، وأيضا فى عقد المؤتمرات العلمية، وتشجيع المجتمع من خلال المسابقات والندوات والترجمات والملتقيات.

أما الرافد الثانى فهو انترنت عربى، بمعنى ادخال مقومات اللغة وتكيفها مع مناهج وأساليب الإنترنت ، الإنترنت الذى ينُقل الى العربية وكل ما يحتاج اليه طالب الجامعة بل وتلميذ الابتدائى والباحثون فى شتى العلوم وخاصة علوم اللغة العربية والغرض من ذلك هو ان يجعل فى متناول كل مواطن اينما كان وايا كان سنه وعمله كل المعلومات التى يحتاج اليها فى تكوينه وبحوث وما يحتاجه الإنسان فى حياته اليومية. لقد صارت المعلومات العلمية والتقنية لا تكتسب اليوم فى المدارس والجامعات فقط بل فى كل مناحى الحياة.

إن اللغة لا تنهض وحدها إنما تنهض بارتفاع المستوى الثقافى للشعب ودور المجامع اللغوية فى ذلك عظيم، فالمجمعيون لا يمكن أن يكتفوا بوضع المصطلحات وتحقيق كتب التراث، وإنما أن تحيا اللغة ونحيا باللغة من خلال رؤاهم المستنيرة حتى تكون اللغة فى منظومة حياتينا وتتطور بنا نحو المستقبل.